قراءة في القانون الأساسي لطالب الدكتوراه

أفرجت الحكومة عن القانون الأساسي لطالب الدكتوراه في شكل مرسوم تنفيذي مؤرخ في 2 أكتوبر من السنة الجارية 2010 ،وقد ورد في آخر عدد للجريدة الرسمية [1]، الذي يحمل 14 مادة ويحدد كافة شروط التسجيل والبحث الذي يقوم به طالب الدكتوراه في موضوع أطروحته، وسنتناول في هذا المقال قراءة في هذا المرسوم لتبيان ما فيه وما عليه.

فقد تضمن المرسوم تعريف طالب الدكتوراه (المادة 2)على أنه  كل طالب مسجل بانتظام في مؤسسة للتعليم العالي من أجل الحصول على شهادة الدكتوراه ، وعلى أن يندرج موضوع أطروحة طالب الدكتوراه ضمن ميادين أو محاور أو مواضيع أو مشاريع البحث التي تتكفل بها مؤسسة جامعية للتعليم العالي، ويجب أن يدمج الطالب في فرقة بحث أو مخبر لإنجاز أعمال البحث(المادة 3). ويستفيد الطالب من الإمكانيات المتاحة للقيام بنشاطاته في المؤسسة التي ينتمي إليها(المادة 04).

كما تضمن المرسوم استفادة طالب الدكتوراه غير الأجير (البطّال)، من منحة يحدد قدرها حسب المادة 17 من المرسوم التنفيذي رقم 170-90. وتخضع استفادته من المنحة للتقييم، مما يحرمه منها عند التقييم غير المرضي (المادة 05).

ومن جهة أخرى، يمكن أن يكلف طالب الدكتوراه غير الأجير للقيام بنشاطات التعليم بالمشاركة في تأطير الأعمال التطبيقية أو الأعمال الموجهة في التدرج أو الطور الأول في مؤسسة التعليم العالي التي سجل بها، وتمارس نشاطات التعليم في حدود ثلاث ساعات في الأسبوع بحضور أستاذ مكلف بالأعمال الموجهة أو الأعمال التطبيقية، ويستفيد طالب الدكتوراه الذي يتولى فعليا نشاطات التعليم من مكافأة تحسب طبقا للتنظيم المعمول به، على أن يعفى طالب الدكتوراه من القيام بنشاطات التعليم خلال السنة الأخيرة من التسجيل في الدكتوراه (المادة 06).

وبخصوص المشاركة في تظاهرات علمية وطنية أو دولية إذا تقدم الطالب بمداخلة ذات علاقة بموضوع أطروحته أن تتكفل مؤسسة تسجيل أطروحة الدكتوراه بنفقات المشاركة في التظاهرات العلمية(المواد 08، 09، 10)، والجديد كذلك هو تحمل مؤسسة التسجيل لتكاليف طبع أطروحة الدكتوراه للطالب غير الأجير وسحبها بالعدد المطلوب قانونا (المادة 11).

وبعد أن استعرضنا جلّ ما جاء في المرسوم التنفيذي، سنتحدث عن بعض أهم المسائل فيه، وهي مسألة الطالب البطال، وتكليفه بالعمل، وكذا التكفل بالمشاركات العلمية، وهذا في فقرات معنونة، لنخلص في الأخير أن عقلية الشح والتقتير، لا تعطي النتائج المرجوة من الباحثين.

مسألة طالب الدكتوراه غير الأجير

وقد تكفل المرسوم التنفيذي المذكور في المادة رقم 05، باستفادة طالب الدكتوراه من منحة دراسية، تقارب 15000 د.ج أي 150 يورو. وتعدّ هذه المادة فتحا جديدا في البحث العلمي، لأنّ طالب الدكتوراه حصل مؤخرا على مقابل مادي أو منحة يمكنه أن يعيش بها.

لكن هل هذا الأمر صحيح ومناسب، ولنتناول هذا الموضوع من عدة جوانب، وقد يكون أولها هل هذا المبلغ مناسب لطالب الدكتوراه، أو هل هذا المبلغ مناسب لطالب التدرج حتى، أو هل هذا المبلغ كاف ليكفل للطالب شيئا من الكفاف وليس الحياة الكريمة.

لن أجيب عن هذا السؤال، لأن مجيبيه منكم أحسن حالا مني، وقد حوّلت المبلغ إلى العملة الصعبة ليدرك غير الجزائريين فداحة الأمر.

لكن السؤال الذي سأطرحه، ما الذي يجعل طالب الدكتوراه بطّالا، وهو الحاصل على شهادة أخرى، قبلها وقد يكون مهندسا أو ذا ماستر، في النظام الجديد (ليسانس، ماستر، دكتوراه)، أو على الأقل ماجستير في النظام القديم. مع العلم أنّ حصوله على الماجستير في الجزائر يمكنه من المزاحمة على منصب أستاذ في الجامعة، ولو في أول درجاته.

إنّ اجتياز الطالب لمرحلة تؤهله ليدخل مرحلة الدكتوراه، تجعله نظريا متفوقا على أقرانه، وله ما يؤهله لعالم الشغل، فهل يا ترى سيختار أن يتفرغ للبحث ليحصل على منحة توازي أجر عامل نظافة. فهل هذه المنحة ستشجع المتفوقين على الانخراط في البحث.

كما نجد في بعض الحالات، أنّ ما يسمى مدارس الدكتوراه تطلب من الطلبة المنتسبين إليها التعهد بعدم العمل في السنوات الخمس للتحضير للدكتوراه، والانتساب إلى  مخبر بحث، بمنحة عامل النظافة. فهل يعقل أن يقضي الباحث خمس سنوات من حياته مضحيا بكل ما لديه من أجل أن يصبح دكتورا.

بل عليه أن يؤجل كل حياته، خمس سنوات، ينتظره بعدها واجب الخدمة الوطنية، ليكتب عليه عنوسة ما بعد الثلاثين، فرض عين. ثم ما عساه يفعل بدكتوراه محصّل عليها من جزائرنا الحبيبة بعد تضحيات جسام، ليجد نفسه في المرتبة الأخيرة بعد زميله الذي درس في الخارج.

هل تستوجب هذه النتائج والمكاسب كل هذه التضحيات، فإما أن يكون طالب الدكتوراه لا خيار لديه غير هذه فيقنع بهذا أو شغوفا بالبحث إلى درجة الجنون، ليجد نفسه عالقا في وسط لا يشجع على البحث أو الإبداع.

مسألة التكليف

وتتحدث المادة السادسة أنه يمكن أن يكلّف طالب الدكتوراه غير الأجير بالقيام بنشاطات التعليم في حدود ثلاث ساعات أسبوعيا، ويستفيد من مكافأة حسب التنظيم المعمول به، تدفع له كل ثلاثة أشهر حسب المادة 12 من المرسوم ذاته.

لا تسعني هنا كل قدراتي على التهكم أن أصف هذا الوضع المذهل، لذا سأستعين بآلتي الحاسبة، فالتنظيم المعمول به يعطي حوالي  500 دينار في الساعة الواحدة، أي 1500 د.ج في الأسبوع و6000 د.ج في الشهر، خلال تسعة أشهر من الموسم الدراسي على أقصى تقدير ليأخذ ما قدره 54000 د.ج تكافئ 540 يورو في السنة، وهذا المبلغ على ضآلته يدفع مقسما كل ثلاثة أشهر.

مسألة المشاركة في النشاطات العلمية الوطنية والدولية

على الرغم مما قلته عن هذا المرسوم، فأنا أعتقد أنّ المادة 10 منه، هي أهم ما فيه، إذ تتيح للطالب الحصول على تكفل للمشاركة في التظاهرات العلمية الوطنية والدولية، بعد الأخذ برأي المشرف وموافقة المجلس العلمي، وعادة ما تكون تكاليف المشاركة لاسيما في المؤتمرات الدولية أعلى من مجموع ما يتقاضاه الطالب من منحته طوال السنة.

ولكن هيهات للطالب أن يحصل على موافقة المجلس العلمي المكون من الأساتذة أنفسهم، الذين لا يحق لهم في أحسن الحالات الاستفادة من مشاركتين دوليتين فقط خلال السنة، مما يجعل الأساتذة المفوّهين، البحّاثة، يتخيّرون من بين مشاركاتهم اثنتين، لن تكونا الأفضل بالضرورة، لما يكتسي الأمر من تعقيدات إجرائية. فإذا كان هذا حال  الأساتذة، فكيف سيكون حال الطالب المغلوب على أمره، فلا منحته تكفيه، ولا مشاركته تغطيه.

تجربتي الشخصية:

وإليكم  تجربتي الشخصية التي لم تكتمل بعد في عالم البحث، طالبا للدكتوراه، من دون عمل قارّ، لا يتعدى دخلي من تدريب برامج الكمبيوتر لفترات متقطعة،  300000.00 دج في السنة أي ما يعادل 3000 يورو في السنة، وهو مبلغ يجعلني مخبولا في عيون من يعرفني من العقلاء.

وبما أنني حاصل على شهادة الماجستير فأنا مؤهل لشغل منصب أستاذ مساعد في الجامعة منذ أربع سنوات، لكنني لم أتمكن من ذلك، والسبب في السنوات الأولى، هو شرط أداء الخدمة الوطنية (العسكرية)، وكان من المفروض أنّ هذا السبب قد زال منذ سنتين، بعد أن أزهقت أرواح المهاجرين السريين في مياه بحرنا المتوسط، إذ استبدل شرط أداء الخدمة بإثبات الوضعية إزاءها. وعلى الرغم من أنني في وضعية قانونية إزاء الخدمة في الجيش حاليا، إلا أنّ مكتب الخدمة لم يفرج بعد عن وثيقة إثبات وضعيتي، إذن فالعمل معلق بها.

ولي 09 مشاركات دولية ، ثلاث منها في الجزائر، واثنتان شاركت بالنشر فقط ولم أتمكن من السفر لقلة ذات اليد، وأربع سافرت فيها، على نفقة الجهات المنظمة، أو بدعم من طرف ثالث.

كل هذا دون أن يتسنّى لي أن أطلب أي دعم من الجهة التي أنتمي عمليا إليها، وذلك لانعدام تشريع يسمح بذلك. وإن كنت على وشك المناقشة، إلا أنني وإن استبشرت بخير هذا المرسوم على غيري من الطلبة، فالأمر ليس يسيرا لتعقيد الإجراءات وكثرة الموافقات المطلوبة.

وفي الختام، فإنني من جهة،  أثمّن  تثمين القانع صدور قانون أساسي لطالب الدكتوراه، يمكنه من إيجاد مكان له في خضم البحث العلمي، ولكنني أهيب بدولتنا وقد أولت العناية بنا، أن تؤتينا ما نستحقه، مما يرفع مستوى البحث العلمي، ويجذب الكفاءات الشابة الطموحة إلى مجال حيوي في تنمية البلاد، لا أن تخرج  إلينا بقانون هزيل في مضمونه، بعيدا عن الواقع، ينفّر أكثر مما يشجع.

حسبي الله ونعم الوكيل

الجزائر، 29 أكتوبر 2010

المراجع

1- مرسوم تنفيذي رقم 10-213 مؤرخ في 23 شوال 1431 ه الموافق 2 أكتوبر 2010، يتضمن القانون الأساسي لطالب الدكتوراه. الصادر في الجريدة الرسمية العدد 57، الصادرة في 03 أكتوبر 2010.

2- بيان اجتماع مجلس الوزراء بيان مجلس الوزراء المنعقد يوم الأربعاء 28 سبتمبر 2010 http://www.el-mouradia.dz/arabe/president/communiques/recherche.htm

ورد في البيان فقرة “يتضمن مشروع المرسوم الأول القانون الأساسي للطالب في مستوى الدكتوراه ويضبط بصفة خاصة سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تشجيع الطالب المسجل على نيل شهادة الدكتوراه. بذلك وزيادة عن منحة شهرية معتبرة يستفيد المعني من أشكال أخرى من الدعم ويمكنه الإسهام بحصة جزئية في التعليم العالي مقابل أجر يتقاضاه.”

والغريب في هذا البيان أنه يقول عن المنحة أنها معتبرة، فهل مبلغ 15000 دج يعتبر معتبرا في مقاييس الحكومة، فإن كان هذا المبلغ في نظرها معتبرا، فيا لها من حكومة فقيرة بائسة.

Advertisements

7 تعليقات to “قراءة في القانون الأساسي لطالب الدكتوراه”

  1. djug Says:

    و لا يزال الكثير من مسعولينا يتساءلون عن سبب هروب خريجينا بمجرد حصولهم على تلك “الكارتونة” إلى الخارج، بل لماذا يبدؤون في إجراءات الخروج مع بداية السنة الأخيرة من تحصيلهم الجامعي

    الله يصلح الأحوال، قولوا آمين 🙂

  2. ايمان Says:

    كل ما تعلق بالتعليم في الجزائر لا يدعو للاطمئنان ، بدء من الابتدائي ، إلى آخر مراحل التدرج وما بعد التدرج ، وخاصة *البحث العلمي*، الذي لا يوجد إلا على الورق لان العوامل المحيطة -غالبا-لا تساعد الأستاذ المؤطر ولا الأستاذ الباحث أيضأ.

    وكما قلت حسبنا الله ونعم الوكيل

  3. all wordpress templates Says:

    WordPressTemplates…

    قراءة في القانون الأساسي لطالب الدكتوراه « اليراع…

  4. rofia Says:

    لي يحب بلادو ما يستناش شحال تسلكو الدولة + الدراسة في الجزائر من الابتدائي إلى الجامعة كلها مجانا …..منحة الطالب في الجزائر لكل الجزائريين بدون استثناء في حين أن الجامعات الأجنبية تتكفل فقط بشخص أو اثنين لذلك ندعوكم أنكم تحمدو ربي
    أنا طالبة في الدكتوراه و بطالة مييي الحمد لله الحمد لله الحمد لله كون ما جاتش الدولة راني ماقدرتش نكمل قرايتي

  5. Ilyes Says:

    المشكل كل المشكل أن تلك الشهادة التي تسمى دكتوراه جزائرية لا تساوي حتى شهادة تكوين عامل نظافة في الدول التي تحترمها، ليكن في علمكم أن دول الخليج و ليبيا و سوريا بمجرد حصول الطالب قبول الدراسات في أي جامعة محترمة طبعا تعطيه دولته منحة مايقارب ثلاثة آلاف دولار أمريكي شهريا إذا كان عازبا و ضعف المبلغ إذا كان متزوجا، الجزائر كانت سابقا كذلك أيام السبيعنات و الثمينيات، لكن الآن هيهات هيهات…………..

  6. مصطفى Says:

    السلام عليكم.ام بعد،كل الملاحظات حول قانون طالب الدكتوراه في الجزائر في محلها ،كما يقول المثل الشعبي: ما يحس بالجمرة غير اللكواتو ،فاناطالب في الكتوراه السنة الرابعة لم استطع لحد الان الحصول على وظيفة او حتى منصب في التعليم بجميع اطواره ،ورغم مشاركاتي العديدة فيمختلف مسابقات الوظيف العمومي ،وكم كان يحز. في نفسي عندما اطلع على النتائج فاندهش لارى اسماءالناجحين ومعظمهم من الجنس اللطيف طبعا وبنسبة 99٪ وفي سن 22و23،اي متخرجات حديثا ،وانا كنت في الثلاثينيات من عمري ،والادهى و الامر ،بعد نجاحي في مسابقة الماجستير ،وكانت عزاءا لي لما كان من قبل لانها فرصة الالتحاق بالجامعة وعلى اعلى مستوى ،وكنت خائفا جدا لاني انقطعت عن الدراسة لمدة عشر سنوات منذ تخرجي ،بينما كل او معظم الناجحين معي هم اصغر مني سنا و اكبر مني تجربة في التعليم ،هذا في البداية ، لكن عندما بدءنا الدراسة وجدت نفسي وربما احسن منهم في متابعة الدروس وفهمها وهذا ما شجعني على المواصلة بفخر واعتزاز واما مسالة التوظيف هي مجرد حظوظ ، لكن بعد حصولي على شهادة الماجستير اصطدمت من جديد عندما تقدمت لاجتياز مسابقة توظيف اساتذة مساعدين وكانت في مدينة عنابة وانا من العاصمة ،ولم اتوانى عن المشاركة وخاصة بعد ان اعلمني المسؤول عن ابلاغ المترشحين اني الوحيد في تخصصي ،ولكن هيجزائر العجائب و الغرائب لم يمنح لي المصب .فما عساني ان اقول ،ولا عجب في ذلك ،بعدما توالت الفضائح ،في جامعتنا الموقرة حيث وجد دكاترة ،لم يتحصلو ا على شهادة البكالوريا،فهذه جامعتنا وهؤلاء القائمون عليها .

  7. mohammed Says:

    ربي.يفرج.على.شعب.يحكمو.فيه.الجهال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: